محمد محفوظ
119
تراجم المؤلفين التونسيين
وبعد تخرجه رجع إلى مسقط رأسه ، وعيّن أستاذا بالمدرسة الصادقية في سنة 1935 فبث روحا جديدة في تلاميذه قوامها الفكرة الوطنية الصادقة ، والاعتزاز بالشخصية القومية ، ومقاومة مكائد الاستعمار ودسائسه . وخشي الاستعمار من سريان هذه الروح الجديدة في أوساط الطلبة ، فسلط عليهم العقوبات الصارمة ومنها الطرد النهائي ، ورأى الاستعمار في هذا الأستاذ الجديد خطرا على سياسته فأقصاه الكاتب العام للحكومة كاترون عن وظيفته في 15 مارس ! ) 1938 بدعوى أنه قام بجولات دعائية لفائدة الحركة الوطنية ، فما استخذى ولا استسلم ، ووالى نشاطه في الحزب الحر الدستوري الجديد . وكان لقرار الفصل رد فعل في كل الأوساط الشعبية فأضرب طلبة الصادقية وجامع الزيتونة وطلبة المدارس الأخرى ، وتأسست في تونس « لجنة الاتحاد الزيتوني المدرسي » للعمل على تنسيق نضال الطلبة إلى جانب الحزب ، وعقدت اجتماعها الأول بنادي الحزب في اليوم الثاني من أفريل 1938 وحضره زهاء ثلاثة آلاف طالب . وشارك المترجم له في مؤتمر الحزب المنعقد في 30 أكتوبر - 2 نوفمبر 1937 وكان انضمامه إلى الحركة الدستورية عام 1936 . وكان انعقاد هذا المؤتمر من أجل تغيير الحكومة الفرنسية ( الجبهة الشعبية ) التي وعدت بإدخال إصلاحات جوهرية على أجهزة الحكم بتونس ، ورأى الاستعماريون الفرنسيون بتونس أن هذا الوعد لا يتفق مع مصالحهم فسعوا إلى نشر الفوضى والاضطراب ، فأطلق البوليس النار على العملة المضربين في المتلوي في 8 مارس 1937 فأردى منهم 19 قتيلا وجرح الكثير منهم ونتيجة لذلك غيّرت الحكومة الفرنسية سياستها وعدلت عن تنفيذ الإصلاحات التي وعدت بها . وقرّر الاستعمار الفرنسي مصادمة الحركة الوطنية وإلقاء القبض على رجالها ، وفي هذا الجو من الفزع والرعب وقعت مظاهرة شعبية أمام القصر الملكي بحمام الأنف في 7 أفريل 1938 وهتف المتظاهرون بحياة تونس واستقلالها . وقاد المترجم له مظاهرة كبرى سارت من ساحة الحلفاوين والتقت في باب البحر بالمظاهرة الثانية التي قادها الزعيم المنجي سليم والتي انطلقت من معقل الزعيم ، وكانت الجماهير تنادي ببلمان تونسي ، وكانت ساحة الإقامة العامة ( السفارة الفرنسية ) مطوقة بالجيش والدبابات والسيارات المصفحة وفي هذا الجو المكهرب اعتلى المترجم له أكتاف الشبان والعلم التونسي يرفرف إلى جانبه وارتجل خطابا ثوريا حماسيا رائعا من أهم ما جاء فيه : « جئنا في هذا اليوم لإظهار قوانا أمام هذا العاجز ( يقصد المقيم العام أرمان قيون ) الذي لا يقدر أن يدبّر شؤونه بنفسه ويتنازل عنها إلى « كاترون » ( أي الكاتب العام للحكومة ) ذلك الغادر الذي لا يزال يكيد للتونسيين ، ويريد سحقهم في هذه البلاد لا قدّر الله » .